لخطبة الجمعة دور عميق في تشكيل فكر المسلم وسلوكه، غير أن هذا الدور تراجع كثيراً حتى صار البعض يحضر الجمعة كروتين أسبوعي لا ينتظر منه شيئاً. وقد تكون المواضيع المتكررة والسطحية والارتجال سبباً مشروعاً لهذا الانطباع. لكن المشكلة ليست دائماً في الخطيب وحده، بل أحياناً في المستمع أيضاً. والمطلوب من الطرفين تجاوز السلبيات كي تعود لخطبة الجمعة قيمتها الحقيقية.

سياق الخطبة الأولى

غادر النبي صلى الله عليه وسلم مكة مهاجراً ليلة 27 صفر سنة 14 من النبوة (12 سبتمبر 622م). استغرقت الرحلة عشرة أيام حتى وصل قباء على مشارف يثرب يوم الاثنين 8 ربيع الأول. أقام أربعة أيام أسّس خلالها مسجد قباء، أول مسجد أُسّس على التقوى بعد النبوة.

في اليوم الخامس، يوم الجمعة، سار نحو المدينة ومعه أبو بكر الصديق. أدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمع بهم في مسجد بطن الوادي أمام مائة رجل، وألقى أول خطبة جمعة في تاريخ الإسلام.

نص الخطبة

قال صلى الله عليه وسلم:

الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأومن به ولا أكفره، وأعادي من يكفره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوّ من الساعة، وقرب من الأجل.

من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرّط وضلّ ضلالاً بعيداً.

وأوصيكم بتقوى الله، فإن خير ما أوصى به المسلمُ المسلمَ أن يحضّه على الآخرة وأن يأمره بتقوى الله. فاحذروا ما حذّركم الله من نفسه، ولا أفضلَ من ذلك نصيحة، ولا أفضلَ من ذلك ذكرى. وإنه تقوى لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه، وعونُ صدق على ما تبغون من أمر الآخرة.

ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية، لا ينوي بذلك إلا وجه الله، يكن له ذكراً في عاجل أمره، وذخراً فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدّم. وما كان من سوى ذلك يودّ لو أن بينه وبينه أمداً بعيداً. ويحذّركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد.

والذي صدق قوله وأنجز وعده لا خُلف لذلك، فإنه يقول عز وجل: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية، فإنه من يتقِ الله يكفّر عنه سيئاته ويعظم له أجراً. ومن يتقِ الله فقد فاز فوزاً عظيماً. وإن تقوى الله تُوقي مقته وتُوقي عقوبته وتُوقي سخطه. وإن تقوى الله تبيّض الوجوه وترضي الرب وترفع الدرجة.

خذوا بحظكم ولا تفرّطوا في جنب الله. قد علّمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين. فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيا من حيّ عن بيّنة. ولا قوة إلا بالله.

فأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد اليوم، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس. ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، يملك من الناس ولا يملكون منه. الله أكبر ولا قوة إلا بالله العظيم.

ما تكشفه هذه الخطبة

تتميز خطب النبي صلى الله عليه وسلم بالقصر والبلاغة وكثرة الاستشهاد بآيات القرآن الكريم. الاستشهادات القرآنية تلتحم التحاماً عضوياً بكلامه، وكأن الخطبة نسيج واحد لا يمكن الفصل فيه بين كلام الله وبيان رسوله.

اللافت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغب عن ذهنه أبداً أن دوره يقتصر على تبليغ الرسالة وتفصيل ما جاء مجملاً في القرآن. كما قال تعالى:

﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾

وفي آية أخرى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾. وقال أيضاً: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ۝ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾.

هذا الوعي العميق بحدود الدور النبوي ـ البلاغ لا السيطرة، التذكير لا الإكراه ـ يتجلّى بوضوح في هذا النموذج الأول من خطب الجمعة. ولعل فيه درساً لكل خطيب ومتحدث: أن يعرف حدود مهمته، وأن يجعل كلامه موصولاً بالنص الإلهي لا منفصلاً عنه.