الإتقان أمرٌ أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم باستحضاره في كل عمل، ونبّهنا الله تعالى إلى أنه أساس المحاسبة يوم القيامة. إنه شعبة من أعلى مراتب شعب الإيمان.

قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. وروى مسلم: “إن الله كتب الإحسان على كل شيء”. وفي حديث صححه الألباني: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”.

قصة هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد جنازة فوجد بعد الدفن فرجة في القبر لم تُسوَّ جيداً، فجعل يقول: “سوّوا لحد هذا”. ظنّ الناس أنه سنّة، فالتفت إليهم وقال: “أما إن هذا لا ينفع الميت ولا يضره، ولكنه يسرّ عين الناظر، وإن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”.

ما هو الإتقان؟

ورد المفهوم في القرآن والسنة بلفظين: الإتقان والإحسان. الإتقان يتعلق بالمهارات الفردية، والإحسان قوة داخلية تتربّى في كيان المسلم وتترجم إلى مهارة، فهو أشمل وأعمّ.

الإتقان في العمل يتطلب ثلاثة شروط:

  1. أداء العمل دون خلل فيه
  2. الالتزام بمتطلباته من ضوابط وتقنيات معروفة مسبقاً
  3. أداؤه في الوقت المحدد دون تأخير

حين تتوفر هذه الشروط نقول إن العمل بلغ الحد الأدنى من الإتقان. لماذا الحد الأدنى؟ لأن الإتقان درجات، وكلما ترقّينا فيها بعد تحقيق الأساس وصلنا إلى مراتب أعلى. هذا الترقّي ينتج عن اجتهاد الفرد في تطوير أدائه فينتج تنافس في حسن الأداء.

مجالات الإتقان: في كل شيء

باستقراء النصوص، نتبيّن أن الإتقان مفهوم يجب استحضاره في كل عمل وكل قول وكل سلوك، بل وفي كل شعور وعاطفة: في العبادات والمعاملات والأخلاق والعواطف، في العلاقة بالله ورسوله، وبالوالدين والأبناء، وفي العلاقة الزوجية، ومع الأصدقاء والجيران، في العمل والعلم والدعوة والكلام وحتى في التحية: “إن الله كتب الإحسان على كل شيء”.

أمثلة من النصوص:

في الوضوء: “ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات؟ إسباغ الوضوء”.

في الصلاة: “ما من مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب”.

في الحج: “من حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه”.

في تلاوة القرآن: “الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران”. “زيّنوا القرآن بأصواتكم”.

في العلاقة بالوالدين: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.

في العلاقة الزوجية: تحثّ النصوص على الإتقان في المعاملة والمشاعر: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾.

في تربية الأبناء: “من عال ثلاث بنات فأدّبهنّ وزوّجهنّ وأحسن إليهنّ فله الجنة”.

في الجوار: “أحبّ للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلماً”.

في التحية: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. وتأمّلوا هذه الآية وقارنوها بالشروط الثلاثة للإتقان.

حتى في الحب: “ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما…” وقصة عمر حين قال للنبي: “لأنت أحبّ إليّ من كل شيء إلا نفسي”، فقال له النبي: “لا، حتى أكون أحبّ إليك من نفسك”، فقال عمر: “فإنه الآن لأنت أحبّ إليّ من نفسي”. فقال النبي: “الآن يا عمر”.

لماذا نفتقر إلى الإتقان؟

الأسباب كثيرة، منها: الجهل بقيمة الإتقان في الدنيا والآخرة، وعدم إدراك لذّته. والإهمال والتكاسل وعدم ترسّخ قدسية العمل في النفوس. وغياب الحوافز المشجعة على الإتقان. والرغبة في تحقيق مكسب مادي عن طريق الغش. والجوّ العام الذي يدفع إلى التسيّب فيصبح حالة عامة. وضعف الوعي الحياتي والاجتماعي.

كيف نصبح متقنين؟

أول ما يساعد على الإتقان: استحضار مراقبة الله تعالى لأنه الذي سيحاسبنا يوم القيامة. ثم استحضار مراقبة الناس من حولنا لأنهم يحاسبوننا في الدنيا: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.

ومما يساعد: أن يكون لك هدف في الحياة. وأن تمتلك إرادة قوية. وأن تكتسب العلم والخبرة والمهارات اللازمة. وأن تتحلّى بالصبر وطول النفس: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. وأن تعوّد نفسك على التلذّذ بحسن الأداء. وأن يكون التناصح بالإتقان حالة عامة: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.

ثلاثة شروط تستحق أن تُستحضر دائماً: أداء العمل دون خلل، والالتزام بضوابطه المعروفة، وأداؤه في وقته المحدد. ومن أجمل ما يُعين على ذلك دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: “اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت”.