روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “المؤمن القوي خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان”.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من العجز فيقول: “اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدَّيْن وقهر الرجال”.

العجز: غفلة لا عدم قدرة

في القرآن وردت كلمة العجز في مواضع، منها قول الله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾.

هذا الإنسان لم يكن عاجزاً عن حفر الأرض لدفن أخيه، لكنه غفل عن هذا المعنى ولم يتفطن له حتى رأى الغراب يبحث في الأرض. فلام نفسه أن يكون الغراب معلّماً له ويسبقه إلى ما لم يخطر بباله. العجز إذن مرض سببه الغفلة وعدم الاهتداء، وهو ما يمكن التعبير عنه بالعوائق النفسية أو الحيل النفسية: داء في القلب والنفس.

نوعان من العاجزين

النوع الأول شخص متقاعس يعترف بتهاونه: “أنا قادر لكنني كسول”. هذا لا يخدع نفسه على الأقل. النوع الثاني أخطر: شخص يُفلسف عجزه ويُظهره بصورة العقل أو الحكمة أو حتى الشرع، ويختلق الأعذار ويتستر وراءها.

فما هي هذه الأعذار التي نتستر خلفها كي نترك العمل؟

الحيلة الأولى: التواضع الوهمي الكاذب

يرى الإنسان أنه ليس أهلاً لشيء: لا لعمل، ولا لوظيفة، ولا لشهادة، ولا لإمامة، ولا لخطابة، ولا لدعوة، ولا لإدارة. لو دعوته لعمل لقال: “لا أستطيع، ولو تعرف ما في نفسي من العيوب لعذرتني”. يتخذ من تواضعه المزعوم غطاءً للتخلّي عن كل مسؤولية.

الحيلة الثانية: الاعتذار بالمعصية

المعصية أو النقص أو التقصير تتسبب للإنسان في ترك العمل الصالح، وكأنه يظن أن الخير حكر على الكاملين. ليست المشكلة في الشعور بالتقصير نفسه، بل في تحوّل هذا الشعور إلى منهج يحكم كل تصرفاتك ويمنعك من الخروج من دائرة التقصير.

الحيلة الثالثة: الخوف

يتعلّل دائماً بالخوف من الفشل. الخوف من السقوط يُقعده عن أي عمل. حتى لو همّ أن يلقي كلمة في مسجد أو يخطب، راوده الخوف أن يخطئ في تلاوة آية أو نطق حديث. فيختار السلامة بعدم الفعل أصلاً.

الحيلة الرابعة: طلب الكمال دون السعي إليه

يفترض الإنسان هدفاً عظيماً لا يستطيعه ولا يسعى إليه، ثم يستحسر ويدع العمل. لماذا لا تُدرّس؟ “التدريس يتطلب أن تكون كالسلف الصالح في العلم والحفظ”. لماذا لا تكون إماماً؟ “الإمامة تتطلب حفظ القرآن كاملاً والمحافظة على الصلوات في أوقاتها”. لماذا لا تخطب؟ “الخطبة تتطلب جهورية الصوت وجودة القراءة وحسن الإلقاء”.

هكذا يفترض المثالية في كل شيء ثم لا يسعى إلى تحصيل أسبابها بأي وسيلة. يضع المعيار عالياً جداً ليبرر عدم البدء أصلاً.

الحيلة الخامسة: تحميل الآخرين المسؤولية

أنت بريء والمسؤولون هم الآخرون. أحياناً المسؤول هو الشيطان، وأحياناً القدر، وأحياناً الاستعمار والصهيونية والغرب، وأحياناً الحكّام، وأحياناً العلماء. وبعضهم يقول: كل المشاكل من صنع الجيل السابق وسيحلّها الجيل اللاحق، ونحن خارج الدائرة: لا صنعنا المشاكل ولا نشارك في حلها.

الوصفة النبوية

في مقابل هذه الحيل الخمس، يقدّم الحديث النبوي وصفة رباعية مختصرة وعملية:

  1. احرص على ما ينفعك ـ اجعل النفع هدفك الدائم
  2. استعن بالله ـ لا تعتمد على قوتك وحدك
  3. لا تعجز ـ لا تستسلم للحيل النفسية
  4. لا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل ـ تعامل مع الواقع لا مع الافتراضات

أربع كلمات نبوية تكفي لتفكيك كل الحيل التي نبنيها حول أنفسنا كي لا نتحرك.