المأساة

حديثنا اليوم هو حديث الساعة، عن المأساة الكبيرة التي حصلت هذا الأسبوع في أمريكا.

المسلم الواعي بحقيقة دينه لا يملك إلا أن يأسف أشدّ الأسف لما حدث من هجمات على مركز التجارة العالمي وغيره من المنشآت في الولايات المتحدة.

حرمة النفس في الإسلام

ديننا يحترم النفس الإنسانية ويجعل لها حرمتها ويحرّم الاعتداء عليها ويجعل ذلك من أكبر الكبائر:

﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]

وقال رسول الله ﷺ: “لا يزال الرجل في فسحة من دينه حتى يسفك دما حراما”. والإسلام لا يجيز بحال القتل العشوائي بحيث يُؤخذ البريء بالمسيء والمظلوم بالظالم، فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى.

قتل آلاف المدنيين السالمين الذين لا ذنب لهم، وهم يسعون لكسب عيشهم، جريمة كبيرة في نظر الإسلام. هذا الدين الذي أعلن رسوله أن امرأة دخلت النار من أجل هرّة حبستها حتى ماتت — فكيف بالإنسان الذي كرّمه الله واستخلفه في الأرض؟

نحن أعرف بالمأساة

نحن العرب المسلمين أكثر الناس إحساسا بمآسي القتل العدواني وآثاره. نعاني منه يوميا في فلسطين: بيوت تُهدم ومزارع تُحرق وأرواح تُزهق وأطفال تُيتّم. وحين يقاوم الفلسطينيون هذا العدوان فإنهم يستهدفون وقف النزيف لا زيادة رقعته.

ضد الشماتة

الموت من أعظم ما يقع بالإنسان من ابتلاء. والرحمة الإنسانية تحمل على الحزن بل والبكاء مهما كانت معاملة الميت. قام النبي ﷺ لجنازة، ولما قيل له إنها ليهودي قال: “أليست نفسا؟” (رواه البخاري ومسلم).

التشفّي بالموت ليس خلقا إنسانيا ولا دينيا. قال ﷺ: “لا تُظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك” (رواه الترمذي).

الشماتة تتنافى مع الرحمة. والنبي ﷺ رغم إيذاء أهل الطائف له لم يشأ أن يدعو عليهم بالهلاك وقد خيّره جبريل في ذلك، بل قال في نُبل: “لا، بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا”. ولما منع ثمامة بن أثال عن قريش إمدادهم بالطعام وهم في قحط، لم يُظهر النبي شماتة بل أمر بإمدادهم.

الشماتة خُلق المنافقين: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: 120]

رفض التعميم

نستبعد كل الاستبعاد أن يقوم بهذا العمل مسلم ملتزم فاهم لدينه، فإن دينه ينهاه عن قتل من لا ذنب له. ولو فُرض أنه وقع من مسلم فنحن ننكره ونجرّمه باسم ديننا وشريعتنا.

الذين قاموا بهذه العمليات أجرموا مرتين: خطف الطائرات وتعريض ركابها للموت، ثم استهداف مواقع مدنية وقتل الأبرياء. الإرهاب ظاهرة دولية تعاني منها كافة الدول والشعوب.

لكن الذي نحذّر منه — أيّا كان الفاعل — أن تُؤخذ أمة بأسرها بجريمة أفراد، أو يُتّهم دين بأنه دين العنف. سبق لمسيحي أمريكي أن قام بحادث أوكلاهوما سيتي بدوافع خاصة، فلم تُتّهم المسيحية ولا أمريكا ولا العالم المسيحي بجريمته.

نذكّر بهذا لأنه منذ الترويج الإعلامي لتورّط عرب ومسلمين، تعرّض مسلمون أمريكيون وكنديون لاعتداءات واستفزازات: إطلاق رصاص على مركز إسلامي في فرجينيا، واعتداءات في الطرقات.

الموقف الصحيح

هذا الحادث الفظيع لا يستفيد منه عربي ولا مسلم. بل يشوّه صورة الإسلام ويؤذي ملايين المسلمين الذين أصبحوا جزءا من المجتمع الأمريكي والكندي، يجتهدون في خدمة مجتمعهم وتقديم صورة مشرفة للإسلام الذي يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة والحوار بالتي هي أحسن.

نحن جميعا معنيّون بالمساهمة في تخفيف المصاب عن الضحايا. حتى التبرع بالدم في مثل هذه الحالات من أعظم الصدقات، لما فيه من إحياء نفس بشرية. وقد علّمنا رسولنا ﷺ أن في كل كبد رطب أجرا.

نقدّم عزاءنا للشعب الأمريكي ولأهالي المصابين.